فصل: مسألة دفع إلى رجل مالا قراضا فلما أراد السفر قال إني أريد أن أخرج بمالي:

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: البيان والتحصيل والشرح والتوجيه والتعليل لمسائل المستخرجة



.مسألة بيع الوقف والاستبدال به:

وسئل أصبغ: عن رجل قام احتسابا فجمع من قوم مالا على أن يشتري مملوكا يقوم باستقاء الماء في المسجد الجامع ويخدم فيه، فاشترى هذا المحتسب بما اجتمع في يديه مملوكا بالغا، فكان يستقي الماء في السقاية ويخدم ويرش سنين، وكان ينتهي إلى أمر هذا المحتسب وكان المحتسب هو القائم بأمر المسجد ثم إن المملوك تعاصى وتخلق عليه وامتنع من المسجد ومن الاستقاء والخدمة، أفيجوز لهذا المحتسب أن يبيعه ويشتري به آخر مكانه يقوم بما يقوم به هذا؟ قال أصبغ: لا أرى بذلك بأسا إذا كان وجه النظر والاختلاف.
قال محمد بن رشد: هذا كما قال أصبغ إن بيعه والاستبدال به جائز إذا تخلق وامتنع من الخدمة، ولا يدخل في هذا عندي الاختلاف في جواز بيع العبيد والثياب المحبسة في السبيل حسبما ذكرناه في رسم طلق من سماع ابن القاسم، إذ لم يحبسه مالكه، وإنما حبسه المحتسب بما جمع من أموال الناس، فلا تقوى حرمته في التحبيس من أموال الناس، وبالله التوفيق.

.كتاب القراض:

.مسألة اصطراف صاحب المال من المقارض قبل أن يعمل بالمال:

كتاب القراض من سماع ابن القاسم من مالك رواية سحنون من كتاب الرطب باليابس قال سحنون: قال عبد الرحمن بن القاسم: قال مالك: لا ينبغي أن يصطرف صاحب المال من صاحبه الذي قارضه قبل أن يعمل. ولا بأس أن يشتري منه الثوب والثوبين أو يوليه إذا صح.
قال محمد بن رشد: أما اصطراف صاحب المال من المقارض قبل أن يعمل بالمال فالمكروه فيه بين، والذي يدخله الصرف المتأخر؛ لأنه إذا كان رأس مال القراض ورقا فصرفه بذهب، وذهبا فصرفه منه بورق كان قد رجع إليه رأس ماله وصار قد أعطاه ذهبا على أن يرد إليه عند المفاصلة ورقا أو ورقا على أن يرد إليه عند المفاصلة ذهبا.
فيتهمان على القصد إلى ذلك والعمل به فإن وقع ذلك في اليسير من رأس المال صدقا على أنهما لم يعملا على ذلك وجاز القراض.
وإن وقعت المصارفة في جميع رأس المال أو في جله لم يصدقا ووجب أن يفسخ القراض إلا أن يفوت بالعمل فيردان فيه إلى إجارة المثل على أصل ابن القاسم وروايته عن مالك في هذا النوع من الفساد في القراض، وسواء صارفه فيما دفع إليه من الدنانير أو الدراهم قبل أن يغيب عليها أو بعد أن غاب عليها، إلا أن المكروه فيها قبل أن يغيب عليها أبين.
وقوله لا بأس أن يشتري منه الثوب والثوبين، معناه: لا بأس أن يشتري العامل من رب الثوب والثوبين لنفسه خاصة لا للتجارة، أو يولي من رب المال العامل الثوب والثوبين لنفسه خاصة أيضا لا للتجارة، وفي كتاب محمد بيان هذا.
وأما إن باع رب المال من العامل سلعة أو ولاه إياها للتجارة فهذا الذي قال فيه في المدونة لا يعجبني أن يعمل به لأني أخاف إن صح هذا من هذين لا يصح من غيرهما.
ولابن القاسم في كتاب ابن المواز أن قول مالك اختلف في ذلك؛ لأنه وجد في كتاب عبد الرحمن أن مالكا خففه، وقال: لا بأس به إذا صح الأمر بينهما فالخلاف في هذا عندي إنما يرجع إلى التصديق في وقوع الأمر بينهما على الصحة، فلم يصدقهما في المدونة وصدقهما في رواية عبد الرحمن عنه. هذا عندي إذا وقع الشراء في المال الذي دفع إليه قبل أن يصرفه كان قد غاب عليه أولم يغب عليه.
وأما إن وقع الشراء بما نض بيد العامل مما باعه من السلع التي اشترى للقراض، فيصدقان على أنهما لم يعملا على ذلك قولا واحدا والله أعلم، والذي أراه في هذه المسألة أن يصدقا إذا اشترى باليسير من مال القراض، وألا يصدقا إذا اشترى بجميعه أو بجله؛ لأنهما يتهمان على القصد إلى القراض بالعروض. فهذا الذي أراه قول ثالث في المسألة.
وأما شراء العامل من رب المال جميع سلع القراض أو ما بقي بعد المفاصلة منها بثمن إلى أجل ففي ذلك ثلاثة أقوال:
أحدها: أن ذلك جائز. وهو قول الليث بن سعيد ويحيى بن سعيد. وروى مثله ابن وهب عن مالك، ومثله حكى ابن حبيب في الواضحة عن أصحاب مالك حاشى ابن القاسم في شراء ما بقي من السلع بعد المفاصلة، ولا فرق بين شراء جميعها وبين شراء ما بقي منها بعد المفاضلة.
والثاني: أن ذلك لا يجوز ويفسخ وإن فات كانت فيه القيمة. وهو قول ابن القاسم في كتاب ابن المواز. ومعنى ذلك إذا اشتراها بأكثر من رأس المال واشترى بقيتها بأكثر مما بقي من رأس المال. وأما إن اشتراها بمثل رأس المال فأقل واشترى بقيتها بمثل ما بقي من رأس المال فأقل فلا اختلاف في أن ذلك جائز.
وذلك بين مما وقع في رسم تأخير صلاة العشاء في الحرس من سماع ابن القاسم بعد هذا، ومما وقع في رسم القطعان من سماع عيسى أيضا.
والقول الثالث: الفرق بين أن تكون السلع حاضرة أو غائبة، فإن كانت حاضرة لم يفسخ البيع إذا فات، وإن كانت غائبة فسخ البيع في القيام ورد إلى القيمة في الفوات.
وكذلك إذا اشترى العامل بعض سلع القراض بأكثر من قيمتها إلى أجل يدخل في ذلك الثلاثة الأقوال المذكورة.
مثال ذلك: أن يدفع الرجل إلى الرجل مائة دينار قراضا يشتري بها سلعا فيعرض إحداها للبيع وشراؤها عشرة فلا يعطى فيها إلا ثمانية، فيقول العامل أنا أبتاعها منه بعشرة إلى أجل، فلا يجوز ذلك لأنه يؤخره لئلا يخسر من رأس ماله شيئا.
وجه القول الأول بأن ذلك جائز- هو أنه كأنه قد التزم السلع برأس ماله فيتفاضلا في القراض ثم باعها من العامل.
ووجه القول الثاني بأن ذلك لا يجوز- هو أنه لو طلبه برأس ماله لم ينض له منه إلا ثمانون فأخره بها على أن يأخذ منه مائة.
ووجه القول الثالث في الفرق بين أن تكون السلع حاضرة أو غائبة- هو أنه إذا كانت حاضرة ارتفعت التهمة؛ لأنه باع ما رأى بعد أن رضيه والتزمه، وإذا كانت غائبة لعلها لم تكن ثم سلع أصلا، والمال قد خسر فيه فرجع ثمانين فأخره به على أن يأخذ منه مائة بشراء العامل من رب المال سلعة من غير سلع القراض قبل أن يعمل فالقراض لا يجوز بالنقد، ويجوز إلى أجل، وشراؤه سلعة من سلع القراض لا تجوز إلى أجل ويجوز بالنقد، وأما شراء رب المال من العامل سلعة من القراض أو من غير القراض فيجوز بالنقد وإلى أجل، وبالله التوفيق.

.مسألة يأخذالمقارض من شريكه ربحا ذهبا من غير الذهب التي هي بينهما:

قال مالك: لا بأس أن يأخذ المقارض من شريكه ربحا ذهبا من غير الذهب التي هي بينهما، قال: يدفع إليه ربحه من ماله ثم يأخذه من مال القراض.
وسئل عنها سحنون، فقال: لا يجوز أن يعطيه ربحا من غير ربح القراض إلا أن يكون حاضرا فيكون يدا بيد وزنا بوزن.
قال محمد بن رشد: رأيت لبعض أهل النظر في هذه المسألة أنه قال فيها: قول سحنون جيد؛ لأن ربحه ليس في ذمة العامل في المال وإنما هو في المال نفسه، فلا يجوز أن يعطيه من غيره إلا أن يكون مال القراض حاضرا لأنه إذا لم يكن حاضرا دخله دراهم حاضرة بدراهم غائبة أو ذهب حاضرة بذهب غائبة.
وهو تعليل جيد لقول سحنون إذا كان إنما أعطاه الربح من ماله على سبيل الاشتراء منه للربح الذي في يده من مال القراض.
وقول مالك جيد أيضا إذا كان إنما أعطاه الربح من ماله على سبيل السلف له حتى يقتضيه من الربح الذي في يده من مال القراض.
ولو نص في ذلك على السلف فقال أنا أسلفك الربح الذي يجب لك من مالي حتى أقبضه من مال القراض لما قال سحنون في ذلك إنه لا يجوز، ولو نص في ذلك أيضا على الشراء فقال أنا اشتري منك الربح الذي لك في المال القراض هذا الذهب الذي أدفعه إليك من مالي لما قال مالك إن ذلك لا بأس به.
فحصل الاختلاف بين مالك وسحنون، إنما هو ما يحمل عليه على الأمر عند الإبهام، فحمله مالك على السلف فأجازه، وحمله سحنون على البيع فلم يجره، فهذا وجه القول في هذه المسألة، وبالله التوفيق.

.مسألة مقارض باع بدين أو سلف في طعام ثم كره التقاضي:

قال ابن القاسم: سمعت مالكا يقول في مقارض باع بدين أو سلف في طعام ثم كره التقاضي فأسلم ذلك برضا صاحب المال، قال: لا بأس بذلك، وهو مثل الموت إذا أسلمه الورثة. أنكرها سحنون.
قال محمد بن رشد: هذا من قول مالك مثل ما يأتي في رسم الشجرة بعد هذا، وإنكار سحنون لجواز هذه المسألة صحيح؛ لأن الورثة لا يلزمهم تقاضي دين القراض ولا تنضيضه، وهو حق لهم إن طلبوه فكان من حقهم أن يسلموه فيكونون بإسلامهم إياه قد وهبوا لرب المال ما عمل موروثهم في المال. فلا معنى في جواز ذلك.
وأما المقارض فتقاضى دين القراض وتنضيضه واجب عليه، لرب المال أن يأخذه به، ويلزمه الاستئجار عليه من ماله إن أبى أن يليه بنفسه كما لا يجوز أن يستأجر على ذلك بنصيبه من الربح.
فكذلك لا يجوز له أن يسلمه إلى رب المال؛ لأنه إذا أسلمه إليه فكأنه قد استأجره على تقاضي الدين وتنضيض المال بالجزء الواجب له من الربح، فالأظهر أنه لا يجوز.
ووجه القول بجوازه أنه إذا أسلمه إليه فقد وهب ما تقدم من عمله فيه، ولم يكن كأنه استأجره عليه بجزء من الربح، إذ لا يلزمه إذا أسلمه تقاضي الدين ولا تنضيض المال؛ لأنه ماله يفعل فيه ما شاء إن شاء تقاضاه وباع الطعام حتى يصير عينا، وإن شاء وهب الدين أو أكل الطعام إذا قبضه ولم يصيره عينا كما دفعه إلى المقارض الذي أسلمه إليه. فعلى هذا أجازه مالك بقوله: وهو مثل الموت إذا أسلمه الورثة.
معناه: هو مثله في أن ذلك جائز وإن كان وجه الجواز في ذلك مختلفا، يجوز في الورثة من أجل أن تنضيض المال لا يلزمهم ويجوز في المقارض من أجل أن رب المال لا يلزمه تنضيض ماله، وبالله التوفيق.

.مسألة من استأجر أجيرا فليعلمه أجره:

ومن كتاب حلف ألا يبيع سلعة:
وسئل مالك: عن الرجل يدفع إلى الرجل المال القراض فيقيم في يديه أياما ويتجهز بذلك يريد سفرا فيلقاه صاحب المال فيقول له: هل لك أن أخرج معك؟ فأخرج ذهبا آخر مثل الذي أعطيتك ونشترك جميعا.
قال مالك: ما أرى أمرا بينا وما يحضرني فيه مكروه، وكأنه خففه من غير تحقيق.
وقال ابن القاسم: ولا أرى بذلك بأسا إذا صح على غير موعد ولا رأي ولا عادة.
قال أصبغ: لا خير فيه، قال سحنون: هو الربا بعينه.
قال محمد بن رشد: قول ابن القاسم مفسر لقول مالك؛ لأن مالكا إنما خفف ذلك على السلامة على التواطي على ذلك من قبل أن يتجهز بالمال، إذ لو أتاه قبل أن يتجهز بالمال لما جاز؛ لأنه يصير كأنه استأجره على أن يعمل معه في ماله على أن له نصيبا من ربحه، وكرهه أصبغ وقال لا خير فيه مخافة أن يكون تواطأ معه على ذلك قبل أن يتجهز بالمال.
فإن وقع ذلك مضى ولم يفسخ على مذهب ابن القاسم وروايته عن مالك، وفسخ على مذهب أصبغ ما لم يفت بالعمل، فإن فات مضى وكان العامل في عمله على شرطه من الربح.
وأما على مذهب سحنون الذي قال فيه: إنه هو الربا بعينه فينفسخ متى ما عثر عليه، ويكون الربح كله لرب المال ويكون للعامل أجرة مثله، وإنما قال فيه إنه الربا بعينه على سبيل التجوز في اللفظ إرادة التغليظ في المنع منه، إذ ليس بربا بعينه كما قال، وإنما هو على مذهبه استئجار للعامل على عمله معه بجزء من ربح المال، وذلك ما لا يحل ولا يجوز.
لقول النبي عَلَيْهِ السَّلَامُ: «من استأجر أجيرا فليعلمه أجره»، ولقوله: «من استأجر أجيرا فليواجر بأجر معلوم إلى أجل معلوم»، وكنهيه عن بيع الغرر، والإجارة بيع من البيوع لا يجوز فيها الغرر والمجهول، فلما كان ذلك لا يحل كما لا يحل الربا قال فيه إنه ربا، وبالله التوفيق.

.مسألة إذا خرج في حاجة نفسه فضت نفقته على نفقة مثله وعلى مال القراض:

وسئل مالك عن رجل تجهز يريد اليمن فجاءه رجل ليلة يخرج فقال له: خذ مني هذا المال قراضا فأخذه الرجل فخرج به فاشترى به رقيقا نحوا من ستين رأسا، فأصيب منهم بضعة وأربعون، فقدم الرجل فطلب أن يعطى نفقته من مال الرجل، قال مالك: أرى أن تحسب نفقته كم تكون إلى اليمن في ذهابه ورجعته، كم هو؟ فإن كانت قيمة ذلك مائة دينار والذي دفع إليه الرجل سبعمائة دينار رأيت أن يحمل على صاحب المال سبعة أجزاء من ثمانية، وعلى العامل جزء من ذلك. فعلى هذا يحتسب قل المال أو كثر أو كثرت النفقة أو قلت.
قال محمد بن رشد: المعنى في هذه المسألة أنه تجهز في السفر في حاجة نفسه لا للتجارة بماله.
ولو كان إنما تجهز للتجارة بماله لوجب أن نكون النفقة مفضوضة على المالين، ماله الذي خرج للتجارة به، ومال الرجل الذي دفعه إليه.
ومثل هذا في المدونة أنه إذا خرج في حاجة نفسه فضت نفقته على نفقة مثله وعلى مال القراض، وفي كتاب محمد أنه ينظر إلى قضاء حاجته فيجعل ذلك رأس مال تفض عليه وعلى مال القراض. قال محمد: وهو استحسان.
فالقياس أن تكون النفقة عليه كما إذا خرج حاجا أو غازيا فأعطاه رجل مالا قراضا فخرج به، وهو قول ابن عبد الحكم.
وسحنون بأنه لا شيء من النفقة على مال القراض إذا خرج في حاجة نفسه عما إذا خرج حاجا أو غازيا.
قال أبو إسحاق التونسي: ولعل ابن القاسم أراد أنه خرج لإصلاح ضيعته، فتكون نفقته مقدرة بإصلاح ماله، فجعل ذلك رأس مال تفض عليه النفقة مع مال القراض، وأما لو خرج لزيارة أهله أو لغير إصلاح ماله لا نبغي ألا يكون على المال القراض شيء من نفقته كما لو خرج حاجا أو غازيا. هذا معنى قوله دون لفظه، وبالله التوفيق.

.مسألة المقارض يسأله السائل فيعطيه الكسرة:

ومن كتاب أوله شك في طوافه:
وسئل مالك عن المقارض يسأله السائل فيعطيه الكسرة، قال: لا بأس بذلك، وكذلك الثمرات والماء يسقيه السائل فلا بأس بذلك.
قال محمد بن رشد: وهذا كما قال؛ لأنه من الشيء اليسير الذي لا يتشاح في مثله.
والأصل في ذلك قول الله عز وجل: {لَيْسَ عَلَى الأَعْمَى حَرَجٌ وَلا عَلَى الأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ} [النور: 61] إلى قوله: {أَوْ مَا مَلَكْتُمْ مَفَاتِحَهُ أَوْ صَدِيقِكُمْ} [النور: 61] فإذا لم يكن على الوكيل حرج في الأكل من مال موكله الذي اؤتمن عليه وجعلت مفاتحه في يديه دون علم موكله. بنص القرآن ما جرت به العادة من الشيء اليسير الذي لا يتشاح في مثله جاز ذلك للمقارض في المال الذي بيده؛ لأنه مؤتمن عليه ولذلك قال الليث في المقارض المقيم الذي لا نفقة له في المال إنه لا بأس أن يتغدى منه بالأفلس إذا اشتغل بالتجارة في السوق، فإذا جاز له أن يأكل هذا القدر وإن لم يجب له فيه نفقة كان أحرى أن يجوز له التصدق به، فيكون له في ذلك من الأجر إن شاء الله بقدر ما له فيه من الربح.
وكذلك الوصي أيضا يعطي السائل من مال يتيمه يرجو بركة ذلك لليتيم.
وليس قول مالك في هذه الرواية عندي بخلاف قوله في موطئه إنه لا يهب منه شيئا ولا يعطي منه سائلا ولا غيره؛ لأن المعنى في ذلك إنما هو فيما كثر وخرج عن حد ما لا يتشاح في مثله، وبالله التوفيق.

.مسألة يعطيه قراضا فيشتري به طعاما فيقول له رب المال بع جملة:

وسئل مالك: عن الرجل يعطي الرجل المال القراض فيشتري به طعاما ثم يأتي به إلى السوق ويريد بيعه، فيقول صاحب المال بع جملة واقبض الثمن، ويقول المقارض البيع على يدي أكثر للربح، وأنا أريد أن أبيع على يدي، قال: ينظر في ذلك إلى الذي يرى أنه وجه الشأن فيه، فيحملان عليه ولا ينظر في قول واحد منهما.
قال محمد بن رشد: هذا بين على ما قاله؛ لأن لكل واحد منهما حقا في المال، فوجب ألا يغلب قول واحد منهما على صاحبه وأن يسأل عن ذلك أهل المعرفة به، فمن رئي الصواب في رأيه منهما حملا عليه، وبالله التوفيق.

.مسألة أخذ العامل في القراض ربحه بإذن رب المال وترك هو ربحه في المال:

وسئل مالك: عن العامل في القراض يأذن له صاحبه أن يأخذ ربحه، فقال: لا يأخذ شيئا حتى يقتسما وإن أذن له فيه صاحبه.
قال محمد بن رشد: أما إذا أخذ العامل في المال ربحه بإذن رب المال وترك رب المال ربحه في المال، فالمكروه في ذلك بين؛ لأن رب المال إذا ترك حظه من الربح في المال بعد أن أخذ العامل حظه منه بإذن رب المال فكأنه أعطاه حظه من الربح قراضا على أن يخلطه بالقراض الأول وهو لم ينض بعد إذ لم يتحقق نضوضه.
فهذا على هذا التأويل مثل ما في المدونة من أنه لا يجوز إذا دفع الرجل إلى الرجل مالا قراضا فشغله في سلع أن يدفع إليه مالا آخر قراضا على أن يخلطه به؛ لأنه غرر إن نقص فيه وربح في الأول صيره من ربح الأول وإن ربح فيه وخسر في المال الأول صيره من ربحه.
وقال الفضل فيه: إنه إن وقع كان في القراض الأول على حاله، ورد في الثاني إلى إجارة مثله، ولو تحقق نضوض المال في هذه المسألة لجاز؛ لأنه كان يكون بمنزلة من دفع إلى رجل مالا قراضا ثم دفع إليه بعد ذلك مالا آخر قراضا على أن يخلطه به.
وإنما كره هذه المسألة مخافة ألا ينض رأس المال بعد أو لعله قد نض إلا أن فيه خسارة فكذبه فيما زعم أن فيه من الربح ليقره بيده ولا ينزعه منه، ولهذه العلة لم يجز مالك في موطئه أن يقتسم المتقارضان الربح دون حضور رأس المال ونضوضه، فقال في رجل دفع إلى رجل مالا قراضا فعمل به ثم جاءه بمال فقال هذا حصتك من الربح وقد أخذت لنفسي مثله ورأس مالك وافر عندي فأقره، قال: لا أحب ذلك حتى يحضر المال كله ويحاسبه ويعلم أنه وافر ويصير إليه، ثم إن شاء رده إليه على قراضه وإن شاء أمسكه، وإنما يجب حضور المال مخافة أن يكون نقص فيه فهو يحب ألا ينتزع منه وإن نقص عنده.
هذا نص قول مالك في موطئه، وظاهر ما في الواضحة أن اقتسامهما الربح على غير محاسبة ولا اعتماد مفاصلة جائز؛ لأنه قال: إذا كانا يفعلان ذلك وجاء في المال نقصان جبر من الربح الذي اقتسماه، وبالله التوفيق.

.مسألة دفع إلى رجل مالا قراضا فشارك رجلا بمال له فعملا جميعا:

وسئل مالك: عن رجل دفع إلى رجل مالا قراضا فشارك رجلا بمال له فعملا جميعا، قال: أراه ضامنا حين أدخل في مال الرجل غيره؛ لأن الرجل قد يقارض الرجل بثلاثة أرباع ويقارض بالنصف لموضع أمانته، فقيل له: أفتراه ضامنا؟ قال: نعم، أراه ضامنا إن تلف أو نقص غرم، وإن كان ربحا كان على قسمة قراضه.
قال محمد بن رشد: هذا مفسر لما في المدونة أنه إن شارك المقارض بمال القراض فهو ضامن إذا لم ينض فيها أنه إن كان فيه ربح كان على قسمة قراضهما. وزاد في المدونة أن الرجل إذا قارض رجلين كل واحد منهما على حدة فلا يجوز أن يشتركا وإن كان المال لواحد. وهذا كله بين لا وجه للقول فيه، وبالله التوفيق.

.مسألة يعطي الرجل المال القراض فيخرج به إلى الريف فيبتاع به القمح الكثير:

ومن كتاب الشجرة تطعم بطنين في السنة:
وسئل مالك: عن الرجل يعطي الرجل المال القراض فيخرج به إلى الريف فيبتاع به القمح الكثير والشعير فيكثر عليه ذلك فيتكارى سفنا ويستأجر أجراء فيحملها ويبعث فيها الأجراء ويكتب إلى صاحب المال أن يقوم معهم في خزنه ويقسم إن أحب ذلك من غير شرط يكون في أصل ذلك.
قال: لا يعجبني هذا ولو كان الشيء الخفيف ما رأيت به بأسا، قيل له: قدر المائة الدينار أو مائة وخمسين؟ قال: إن كان الشيء الخفيف وإلا فلا خير فيه، هذا يكثر فلا يعجبني.
قال محمد بن رشد: كره ذلك في الكثير مخافة الذريعة إلى استجازة ذلك على شرط، أو رأي، أو عادة، فإن وقع ذلك على غير شرط ولا رأي ولا عادة نفذ ذلك ومضى، ولم يحولا عن شرطهما فيه، والله الموفق.

.مسألة دفع إلى رجل مالا قراضا فلما أراد السفر قال إني أريد أن أخرج بمالي:

وسئل مالك: عن رجل دفع إلى رجل مالا قراضا فلما أراد أن يخرج إلى سفره، قال لصاحبه: إني أريد أن أخرج بمالي معي أتجر فيه، وإني لست أحمل على مالك نفقة، وأنا أنفق من مالي فإنه لا يحمل ذلك.
قال: لا يعجبني ذلك وإنما ذلك بمنزلة ما لو قال له ذلك عند دفعه إياه، ولكن ليعمل فيهما والنفقة على المالين، وسواء قال ذلك عند خروجه أو عندما يدفعه إليه وفيه تفسير.
قال عيسى: وتفسيره إن كان قال ذلك في حين يجوز له منعه من الخروج لم يكن فيه خير، وإن كان ذلك في حين لا يجوز له منعه وذلك بعد أن يتجهز ويشتري فلا بأس بذلك.
قال محمد بن رشد: وقع في بعض الروايات فإنه يحمل ذلك ولا يغير ذلك من حكم المسألة شيئا.
وتفسير عيسى صحيح مبين لقول مالك، فمعنى قوله: وسواء قال ذلك عند خروجه أو عندما يدفعه إليه، يريد: إذا كان خروجه بالمال وهو ناض قبل أن يشتري به ويتجهز.
وأما لو قال ذلك بعد أن اشترى بالمال وتجهز لجاز ذلك ولزم على القول بلزوم العدة لأنها عدة، وإذا قال ذلك له عندما دفع إليه المال أو عند خروجه والمال بحاله فهو مكروه ولا يلزم ولا يبلغ به الفسخ إلا أن يكون ذلك القول عندهما كالشرط، وبالله التوفيق.

.مسألة يأخذ المال قراضا على أنه يدفعه إلى غيره يعمل به:

وسئل مالك: عن الرجل يأخذ المال قراضا على أنه يدفعه إلى غيره يعمل به، فكره ذلك، وقال: ما يعجبني، ثم ردد فيه الكراهية، فقيل له: أفرأيت إن قال له إني أبعث فيه غلامي ومولاي إلى بعض إخواني يشترون به ويبيعون؟ فقال: إني لأرجو أن يكون خفيفا، وما هو من عمل الناس.
قال محمد بن رشد: لا فرق بين أن يأخذ منه المال قراضا على أن يعطيه لغيره يعمل به قراضا، أو على أن يرسل فيه غلامه أو مولاه إلى من يشتري به ويبيع من إخوانه كما أنه لا فرق بين أن يأخذ منه المال قراضا فيقول إني أدفعه إلى غيري يعمل به قراضا أو إني أبعثه مع غلامي أو مولاي إلى من يشتري به ويبيع من إخواني، فإذا كان على الشرط في المسألتين جميعا لم يجز، وإذا كان على غير الشرط في المسألتين جميعا جاز. وإنما افترقت المسألتان عنده لأن الأولى بشرط، والثانية بغير شرط.
والمكروه فيهما جميعا إذا كان ذلك على وجه الشرط بين؛ لأنه كأنه استأجره على أن يدفع ماله إلى غيره قراضا أو على أن يبعثه مع ولاه أو غلامه إلى من يشتري به ويبيع من إخوانه على سبيل القراض بالجزء الفاضل من الربح إن دفعه بأكثر مما أخذه، وقد يدفعه بأقل فيخسر، وبمثل الجزء فلا يربح، فذلك غرر بين وإجارة فاسدة.
فقوله في ذلك إنه مكروه تجاوز في اللفظ، فإن وقع ذلك كانت له أجرة مثله في دفعه المال إلى غيره قراضا وفي بعثه به إلى من يعمل به من إخوانه قراضا، وكان العامل فيه على الجزء الذي اشترطه من القراض.
وأما إذا قال له حين أخذه المال منه إني أدفعه إلى من يعمل فيه قراضا أو أبعثه إلى من يعمل به قراضا ولم يشترط ذلك، فذلك إذن منه له في أن يقارض به، فإن قارض فيه بأكثر من الجزء الذي اشترطه كان الفاضل لرب المال لا له.
وهو نص قول مالك في كتاب ابن المواز، بخلاف المساقاة والفرق في هذا بين القراض والمساقاة أن المساقاة يلزم بالعقد فكان له أن يأخذ الفضل، والقراض لا يلزم بالعقد فلم يكن له الفضل.
وإن قارض فيه بأقل من الجزء الذي اشترطه مثل أن يقارض رب المال على النصف فيقارض هو غيره على أن يكون له الثلث وللعامل الثلثان فرب المال أحق بالنصف ويرجع العامل الثاني على المقارض الأول بمثل سدس الربح الذي استحق صاحب المال من يده. وهذا إذا لم يعلم رب المال أن المقارض الأول قارض المقارض الثاني على أكثر مما قارضه هو عليه.
وأما إذا علم ورضي فلا يكون له إلا ما رضي به واختلف إذا علم أو حضر فسكت. فقيل: سكوته كالإذن، ولا يكون له من الربح إلا ما اشترط منه المقارض الأول على المقارض الثاني. وقيل: لا يكون كالإذن ويكون أحق بالجزء الذي قارض عليه هو المقارض الأول. وقد مضى هذا المعنى في رسم باع غلاما من سماع ابن القاسم من كتاب المساقاة.
وفرق في كتاب محمد في الذي يأخذ المال قراضا بين أن يقول أبعثه مع مولاي إلى بلد آخر إلى من يكفيني أمره أو إلى قوم يشترون ويبيعون. فقال في الأول: إنه لا يصلح، وفي الثاني: أرجو أن يكون خفيفا. قال محمد: ما لم يشترط.
وجه الفرق بينهما أنه إذا قال: أبعثه إلى من يكفيني أمره فإنما معناه أبعثه إلى من ينزل منزلتي في العمل فيه بالجزء الذي أخذته به، وقد يجد ذلك وقد لا يجده. فلذلك كرهه، وقال: إنه لا يصح، وإذا قال: أبعثه إلى قوم يشترون ويبيعون، فإنما معناه إلى قوم يشترون به ويبيعون على ما أواجبهم عليه من الربح على سبيل القراض أو من الأجرة على سبيل الاستئجار على الوجه الذي تصح عليه الإجارة. وذلك لا يتعذر وجوده. فلذلك أجازه ورآه خفيفا. وأما إذا كان ذلك بشرط فقد مضى وجه فساده، وبالله التوفيق.